الرأي عبادة

الرأي هو ما ترى، وهذا قد يحتمل أكثر من صورة ورؤية،
اختلاف رأيي عن رأيك أو رأيهم… إلى آخره

Screen Shot 2016-06-28 at 8.44.52 AM

 

الدين يضمن حق اختلاف الرأي وليس حصرًا على قلة أو نخبة بل للجميع وحتى إن انتهى إلى اختلاف محمود أو مذموم، الدين يضمن مسؤولية الرأي وعواقبها حتى لو شاء أحدهم أن يصل برأيه إلى ضلال.
سنتعدى في الأمثلة التالية الحاجز بين رؤية العقل والبصر لنجد في كليهما التشابه في الاختلاف.

عنه ﷺ “صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي”

كان بالإمكان أن تنزّل صفة الصلاة في القران لكنها تركت للرؤية
واختلاف الروايات في كيف رأوه يصلي أدى إلى اختلاف التفاصيل في صفة الصلاة من مذهب لآخر، فهذا يسدل أو يسربل والآخر يكتف أو يمسك يديه، وكلها آراء لها حججها وأدلتها ومتبعيها.

وعنه ﷺ “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ

حتى في الصوم، وقبل وسائلنا اليوم
قد يرى أهل قرية الهلال فيصوموا أو يفطروا على عكس من بجوارهم ممن لا يرونه
فالرأي هنا أساس التكليف، وأنت مسؤول عن رأيك ورؤيتك
أيهما رؤية صحيح وأيهما خاطئة؟
في الواقع قد يكون السؤال هذا هو الخطأ الوحيد في المثال، فالآراء آراء.
ولا داعي للخلاف عند الاختلاف فضلًا عن الانقسام ثم العداوة فالاقتتال.
وبمعنى آخر كان بالإمكان أيضًا أن يحدد دخول الشهر لكنه ترك لرؤيتنا التي تحتمل الخطأ

“قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي”

وإن كانت الدعوة للإيمان بالمحاججة ومقارعة الآراء، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
فما بعد الإيمان من مسائل أجدر في فسحة الرأي واحتمال الخطأ والصواب
ولا حكم مطلق هنا على التأكيد.

“إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”

والله أمرنا بأشياء ونهانا عن أشياء وسكت عن أشياء رحمة بنا
حتى أنّه ﷺ نهى عن محاولات الصحابة لحد المسائل في رأي وتصور واحد بكثرة السؤال

“ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا أُهْلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ”

وكما أن رأيك حقك ومسؤوليتك فالتخلي عن حقك أيضًا من حقك
قد لا يكون لك رأي في مسألة ما، فتتبع بعد أن تقتنع أو حتى بعد أن تستخف.

“قَالَ فِرْعَوْنُ مَاأُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”
“فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ”

ولو لم يكن الرأي أساسًا
لماذا لا يكلّف غير العاقل ؟
لماذا العقل مناط التكليف ؟
اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابَه.

حلزونية الإدراك وحدود العقل

بيل شيب-01
هل حدث واحترت في أحد المواقف ما إن كان أحدهم غبيًا جدًا أو ذكيًا جدًا؟
يقاس كل ما هو طبيعي أو غير طبيعي “بارانورمال” أكاديميًا بهذا المنحنى الجرسي في الأعلى،
وما اقترحته كبديل حين كنت طالبًا في الجامعة هو وصل الطرفين المتباعدين
لجعل قاعدة المنحنى الجرسي دائرة بدل الخط المستقيم -لطالما فتنتني الدائرة-
ليعطي هذا تجسيدًا بصريًا لما يقال بخصوص الذكاء

هناك شعرة رقيقة بين العبقرية والجنون – أوسكار ليفانت

أو بمقدمة تخيلية أخرى أمامك الآن طفل يخيرك بين شيئين في يديه
لكنه يقرّب أحد اليدين منك بوضوح هل لأنّه يريدك أن تختارها لأنه يفضّل ما في اليد القريبة منه
أم أنّه يتظاهر بهذا حتى تعانده وتأخذ ما في اليد البعيدة عنك
أو ربما يمثل أنّه يتظاهر ليحظى هو بالقريبة منك!
ليس لهذا نهاية، في كل مرة يمكنك تصوّر هذا بمستوى مختلف
وربما كنت تريد أن تختار ما يريدك أن تختاره أصلًا لتتظاهر بالخسارة أمامه
لكن لا سبيل بعد كل هذا التعقيد.

 

PenroseStairway_700
فكرة السلالم هنا أو الحلزونية هي تمثيل بصري تخيّلته لوصف الإدراك وحدود العقل
ووصف هذا السلم الحلزوني كالتالي:
سلم لا ينتهي صعودًا أو نزولًا، يمكنك أن تتحرك فيه مع أو ضد عقارب الساعة ولن ينتهي مشوارك

الخطأ والصواب

إذا ألغينا الطوابق للتركيز على مقطع عرضي من هذا السلم سنجده يقترب من كونه دائري مشابه لسلالم بنروز
بناءًا على هذه النقطة لا يمكنك من حيث نقطة وقوفك تقرير ما إن كنت متطرف الإدراك أو معتدل
فأنت تقف على نقطة في دائرة، الواقف مقابلك في الجهة الأخرى ليس بالضرورة ضدك
قد تكونا على أطراف النصف دائرة نفسها
لا يمكنك قطعًا تقرير ما إن كان الواقف مقابلك في الجهة الأخرى على خطأ حتى إن كنت على صواب
هندسيًا لا توجد نقطة مهمة في إطار الدائرة ولا في السلم الحلزوني
تمامًا مثلما تقع مفاهيم مثل الشجاعة والحيطة، بينهما 180° درجة في الدائرة
لكن هذا لا يعني أن أحدهما خطأ والآخر صواب، كلاهما حميد حسب الحس العام
ومثلهما التهور والجبن، يبدوان متضادان لكن كلاهما ذميم حسب الحس العام
وفي الخلاصة تخيّل الحلزونة دائريًا يفيد عدم الحكم على الإدراك بالتضاد كالأبيض أو الأسود البدائي “خير وشر”
على شاكلة إن لم تكن معي فأنت ضدي
لكن بكل ما بينهما من درجات، تخيلنا أربعة نقاط فقط في أمثلة الخوف وتغير المفهوم تمامًا عن الثنائية
فكيف بدائرة نقاطها غير منتهية؟ هذا يجعلك تفهم استحالة الحكم وهنا الحكمة.

FourPartYinYang

الأفضلية

والآن لنعد للطوابق
وقوفك في مستوى مغاير من نقطة ما في حلزونية الإدراك حتى وإن اتفقنا أنها مضادة لنقطة وقوفي
لا يعني أنه بإمكان أحدنا الحكم بأفضليته
لنعطِ مثالًا قصصيًا من واقع قوالب الإدراك الشائعة في المجتمع
أحدهم كان مطوّع يشفق على غير المطوعين،
ثم اقتنع بآراء مخالفة على مستوى مغاير لمستوى إدراكه السابق فصار مفكرًا حرًا في تويتر
يشفق على المطاوعة
تخيله الآن بحالتيه المتضادتين على السلم الحلزوني
يقف ضد نفسه في السلم في الجهة المقابلة
هل يمكنه الحكم ما إن كان الآن أفضل؟ أم أنه فقط في نقطة مختلفة من نفس الطابق؟

جهنّم مليئة بأنصاف المثقفين – أحمد بهجت

لفهم هذا نحتاج أن نجعلهم أكثر، الكثيرون يقفون في نقطة المطوّع في طوابق إدراك مختلفة
والكثيرون يقفون في نقطة المنفتح في طوابق إدراك مختلفة، أعلم أنه تقسيم بدائي لكن جاريني
لا يصح هندسيًا أن يفترض أحدهم أن من يقف في الجهة المقابلة يجب أن يكون في طابق أقل أو أعلى قيمة
فالطوابق في كل جهة متعددة
هناك المطوّع الجاهل والمطوّع المتعلم، هناك المنفتح الجاهل والمنفتح المتعلم
ولا قيمة لما يقوله مغرّد ف تويتر أن جميع من ينتمون لجهة ما من السلّم متساويين في الطبقة
كأن يقول كل المتدينين متخلفين أو كل الملحدين أغبياء
أو بمثال أقل حدّة، هل تساءلت لماذا الأذكياء كئيبين؟
ثم وجدت ذكيًا مبتهجًا جعلك تعيد التفكير وتنتبه لكل الأغبياء التعيسين، حينها تعرف أنه لا يمكنك الحكم

infinity-staircase-goes-nowhere-1

 

الاتجاه

حتى بخصوص الاتجاه كما سبق يمكن تخيل حلزونية الإدراك بشكل أعمق بصريًا من الين يانغ
لطالما كرهت أن للين يانغ اتجاه إما مع أو ضد عقارب الساعة حسبما ترسمها.
وهنا سأدع بقية تأمل سلالم الإدراك الحلزونية لك بالقدر الذي يناسبك
لكن الأمر بخصوص الفكر والإدراك أنك ان استمررت بالتحرك كفاية
ستصل لطابق مختلف فقط حين تمر بكل النقاط في طابقك
ستكتشف بنفسك أنه سلّم حلزوني، سترى هذا
ثم ستساءل هل أريد الصعود أو النزول؟
أن أكون عميقًا في الأسفل أجدر من أكون سطحيًا في الأعلى
أم أنه العكس؟ أن أكون راقيًا في القمة أجدر من أن أدنو للأسفل
وإن كان الحكم على فكرك في حلزونية الإدراك مستحيلًا فكيف يمكن الحكم على الآخرين؟
هل الأفضلية لمن هم أعلى منك باتجاه القمّة أم من هم أعمق منك باتجاه الأساس؟
استمر بالتحرك…

لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صُورة – ابن عربي